أبي طالب المكي

309

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أهل البيت في أنفسهم رجوع شيء منه ، وإلَّا كان ما يقدمه مما ينوي رجوع بعضه ، ولا يحبّ أكل كله تصنّعا ومباهاة ، فإن علم بذلك من قدم إليه لم استحب له في الورع في أن يأكل منه لأن المأكول إذا قدّم ليؤكل بعضه فهو تصنّع وتزيّن ، لا يصنع الورعون ذلك ولا يأكل المتّقون من هذا ، لأنه لا يدري كم مقدار ما يحبون أن يأكلوا منه . وروينا عن ابن مسعود قال : نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه ، وقد كره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة والمباداة ، وهذا مكروه لم يقدمه بهذه النية إلى إخوانه لأنه قد عرضهم لتناول ما يكرهون ، وقد دلس عليهم ما لا يعلمون ، وأيضا فإنه شيء قد قدّم لأجل الله تعالى فلا يصلح أن يستثنى ارتجاع شيء منه بمنزلة من يخرج الرغيف أو الشيء إلى السائل فيجده قد انصرف فكره أن يرجع فيه فيأكله ، وقال : يعزله حتى يأتي سائل آخر فيدفعه إليه . وكان بعض أهل الحديث إذا أكل مع إخوانه ترك من الطعام على رغيف يعزله معه وكان سيّار بن حاتم إذا حضر على مائدة أكل لقيمات ، ثم يقول : اعزلوا نصيبي . وأكل ذات يوم على مائدة في جماعة فلما جاءت الحلوى نزع قلنسوته ، ثم قال : اجعلوا نصيبي في هذه . فينبغي أن يعزل أنصبة أهل البيت قبل تقديم الطعام إلى إخوانه كيلا يحدثوا نفوسهم برجوع شيء منه فإنه مكروه لهم ، ولعله لا يرجع شيء منه فيكون ذلك إحراجا من الآكلين ومنقصة لهم ، وهذا عليهم أشدّ من إكرامهم بالطعام ، أن يكون ذلك مضرّا بالأهل فيكون مضيعا للأصل ، ولا ينبغي له أن يقدّم إلَّا ما يحبّ أن يأكلوه من كل شيء أيضا ومقدار الحاجة والكفاية من المأكول فيجمع بين السنّة والفضيلة . روي في الخبر : ما رفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام قط ، هذا لأنهم كانوا مخلصين في كل شيء فلا يقومون إلا كفايتهم ، ولا يأكلون إلَّا بعد جوعهم ، ولا يتركون الأكل وفي نفوسهم منه شيء وللاقتصار الذي كان فيهم ، ففيما ذكرناه من تقديم الكفاية لئلا يرد فضول الأطعمة موافقة للسنّة ، وفي تقديم المأكول ليرجع أكثره نية حسنة ، لما جاء فيه : أن من أكل ما فضل من الإخوان لم يحاسب عليه ، ومن كان في جماعة فلا يأمر بتأخير الطعام فلعل فيهم من يحتاج إلى تقديمه إلا أن يتفقوا على تأخيره فلا يأمر حينئذ بتقديمه لأجل نفسه ، وإذا حضر الطعام والصلاة فإن كانت نفوسهم تتوق إليه وفي الوقت سعة قدموا الأكل وإن كانت نفوسهم ساكنة أو ضاق الوقت أو خشوا أن يتطاول بهم الأكل صلَّوا أوّلا واستحبّ الأكل على الأرض . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض وكان يأكل مقعيا على قدميه ويقول : لا آكل متكئا ، إنما أنا عبد آكل كما يأكل